السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

119

مفاتيح الأصول

على الوجوب فيأثم بترك التكرار وهو باطل أو بطريق الندب إذ لا أقلّ منه فيلزم استعمال صيغة واحدة في الوجوب والندب باستعمال واحد وهو باطل أيضا وهو ضعيف وتوهم بعض على الظاهر الرّجوع إلى القرعة في تحصيل ما تحقق به الامتثال من الدفعات وهو في غاية الضّعف خصوصا إن قلنا بأنه يشترط فيها ثبوت واقع في موردها من المشتبهات لضرورة أن محلّ الامتثال ليس معيّنا في الواقع ومشتبها عندنا فتأمل وربّما يظهر من بعض التفصيل بين ما لو قصد الامتثال بالمرة الأولى خاصّة فلا يحصل بغيرها مطلقا وبين ما لو قصد الامتثال بالجميع فيحصل به بل يلزمه الإتيان به ويتوقف الامتثال عليه كما في التخيير بين الزائد والنّاقص فيما ينزح لتطهير البئر وأذكار الرّكوع والسّجود ونحو ذلك وهو ضعيف أيضا لعدم الدليل عليه لا شرعا ولا عرفا ولا لغة ولا عقلا مضافا إلى الأصل ونفي الحرج في بعض الصّور الثّاني اعلم أن القائلين بأن الأمر المطلق ليس للتكرار اختلفوا في أن الأمر المعلَّق على شرط نحو إن كنتم جنبا فاطَّهّروا أو على صفة نحو السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما هل يتكرر بتكررهما فيجب التّطهير وقطع اليد متى ما تحقق الجنابة والسّرقة أو لا على قولين الأول أنّه لا يتكرر بتكرّرهما مطلقا وهو للشيخ وابن زهرة والمحقق والعلامة وابنه والفاضل البهائي والحاجبي والبيضاوي والرّازي والمحكي عن السّيد والقاضي عبد العزيز وأكثر الفقهاء والمتكلمين الثاني أنّه يتكرر بتكررهما وهو للمحكي عن جماعة للأوّلين وجوه منها أنّ الصّيغة من غير التّعليق موضوعة لنفس الماهيّة والأصل لزوم الحمل عليها حتى يتحقق ما يقتضي تقييدها بالتكرار ومجرّد التعليق على الأمرين لا يستلزمه لا عقلا ولا لفظا فإنّه أعمّ من قيدي المرة والتكرار ولذا يقيّد بهما فيقال إن جاءك فأكرمه مرة أو مكرّرا والعام لا دلالة فيه على شيء من جزئيات بشيء من الدّلالات فإذا كان في العرف كذلك فاللَّغة والشّرع كذلك للأصل ومنها أنّه لو كان للتكرار حينئذ للزم سلب اسم الأمر وما يشتق منه إذا أريد منه المرّة والتالي باطل قطعا ومنها أنّه يحسن أن يقال إذا دخلت السّوق فاشتر اللَّحم مع عدم إرادة التكرار وفيه نظر ومنها أن الخبر المعلَّق على الشّرط لا يتكرر بتكرره إجماعا فكذا الأمر بجامع دفع الضّرر الحاصل بالتكرار وفيه نظر ومنها عدم تكرار الطَّلاق بتكرر الدّخول في الدار إذا قيل إن دخلت الدّار فطلق زوجتي وفيه نظر وللآخرين وجهان أحدهما أن كل أمر ورد في الكتاب والسنة معلَّقا عليهما فهو للتكرار ولم يكن ذلك إلَّا لكونه في اللَّغة كذلك وإلَّا لزم التجوز أو النقل وهما خلاف الأصل وفيه نظر لأنا نمنع الكليّة الَّتي ادّعوها فإن الأمر بالحج قد علق على وصف الاستطاعة مع عدم تكرره بتكرّرها اللَّهمّ إلَّا أن يدعى الغلبة في ذلك فيلزم حينئذ إلحاق المشكوك فيه بالغالب ولكن هذا لا يجدي إلَّا على القول بترجيح المجاز المشهور على الحقيقة المرجوحة إن قيل إن الغالب استعمال الصّيغة في التكرار أو على القول بحجيّة الاستقراء وفيهما نظر نعم قد يقال يجب عليه الحمل لكونه من الأفراد الشائعة فتأمل وثانيهما أن الأمر يدوم بدوام الشّرط فالتعليق على الشرط المكرر يقتضي دوامه أمّا المقدمة الأولى فلأنه إذا قيل إذا وجد شهر رمضان فصمه أفاد أن الصوم يكون دائما بدوام الشهر وأمّا المقدّمة الثانية فلأن الشّرط المتكرر بمنزلة الشرط الدّائم وفيه نظر لأنه إن أريد من دوام الأمر بدوام الشّرط أنّه إذا لم يأت بالمأمور به حين وجود الشّرط يجب عليه الإتيان ما دام الشرط باقيا فما ذكر مسلم ولكن هذا غير محل النزاع وإن أريد تكرار المأمور به ما دام الشرط باقيا فهو أوّل النزاع والمثال لا يساعد الخصم فإن التكرار فيه ليس لأجل بقاء الشرط بل لرجوع الضّمير إلى مجموع الشّهر ففي الحقيقة المأمور به لم يتكرر والمسألة محلّ إشكال والمعتمد عندي هو القول الأوّل الَّذي عليه المعظم وهل قوله كلَّما جاءك زيد فأكرمه ونحوه ممّا تضمن لفظ كلَّما يفيد التكرار المفروض أو لا الظاهر الأوّل لأنه المفهوم منه عرفا وربما يظهر من المصباح المنير المصير إليه وحكايته عن أهل اللَّغة ولو قال متى جاءك زيد فأكرمه ونحوه مما تضمّن لفظ متى يفيد التّكرار المفروض أو لا ذهب في المصباح المنير إلى الأخير محتجا بأنه واقع موقع إن وهي لا يقتضيه وبأنه لا يقتضي التكرار في الاستفهام فلا يقتضيه في الشّرط قياسا عليه قال وبه صرّح الفراء وغيره فقال إذا قال متى دخلت كان كذا فمعناه أي وقت وهو على مرة وفرّقوا بينه وبين كلَّما فقالوا كلَّما يقع على الفعل والفعل جائز تكراره ومتى يقع على الزّمان والزّمان لا يقبل التكرار فإذا قال كلَّما دخلت فمعناه كلّ دخلة دخلتها ثم حكي عن بعض العلماء أنّه قال إذا وقعت متى في اليمين كانت للتكرار فقوله متى دخلت بمنزلة كلَّما دخلت ثم ردّه فقال والسماع لا يساعده ثم حكي عن بعض النّحاة أنّه قال إذا زيد عليها ما كانت للتكرار فإذا قال متى ما سألتني أجبتك وجب الجواب ولو ألف مرة وضعفه محتجا بأن الزائد لا يفيد غير التأكيد وهو عند بعض النّحاة لا يغير فقولهم إنما زيد قائم بمنزلة أن الشأن زيد قائم فهو يحتمل العموم كما يحتمله أن زيدا قائم وعند الأكثر ينقل المعنى من احتمال العموم إلى معنى الحصر فإذا قيل إنما زيد قائم فالمعنى لا قائم إلَّا زيد وفيه نظر بل ما حكاه عن بعض النحاة في غاية القوّة واعلم أنّه صرّح بعض المحقّقين بأن الأمر إذا علق على علَّة تامة تكرر بتكررها محتجا بأمرين